النويري

237

نهاية الأرب في فنون الأدب

يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنّ من القرآن ما ليس منه ، حتى ينبّهه جبريل عليهما السلام ، وذلك كله ممتنع في حقّه صلى اللَّه عليه وسلم ، أو يقول ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا ، وهو معصوم من هذا كله ، وقد تقرر بالبرهان والإجماع عصمته عليه السلام من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا ، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو يتقوّل على اللَّه ؛ لا عمدا ولا سهوا « 1 » ، وقد قال تعالى : * ( ( ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ ) ) * « 2 » الآية ، وقال : * ( ( إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وضِعْفَ الْمَماتِ ) ) * « 3 » الآية . ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا ، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام « 4 » ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم ؛ ولما كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك - وهذا لا يخفى على أدنى متأمل - فكيف بمن رجح حلمه ، واتّسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ! ووجه ثالث ، أنه قد علم من عادة المنافقين ، ومعاندى المشركين ، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة ، وتخليط العدو على النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأقل شبهة ؛ ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصّولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا في قصة الإسراء وقصة القضية « 5 » ، ولا فتنة أعظم من هذه البليّة لو وجدت ،

--> « 1 » زاد هنا في الشفاء ص 130 قوله : « ما لم ينزل عليه » . « 2 » سورة الحاقة : 44 . « 3 » سورة الإسراء : 75 . « 4 » في الأصل : « ألا ليئام » تصحيف . والتصويب عن الشفاء . « 5 » راجع شرح الشفا ج 4 : 112 ج 2 في قصة القضية .